محمد بن جرير الطبري

289

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وأولى التأويلين بالآية تأويل من قال : إن قولَ الله تبارك اسمه : ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ) ، نزلت في المنافقين الذين كانوا على عَهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن كان معنيًّا بها كُلُّ من كان بمثل صفتهم من المنافقين بعدَهم إلى يوم القيامة . وقد يَحْتمِل قولُ سلمان عند تلاوة هذه الآية : " ما جاء هؤلاء بعدُ " ، أن يكون قاله بعد فناء الذين كانوا بهذه الصِّفة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، خبرًا منه عمَّن هو جَاء منهم بَعدَهم ولَمَّا يجئ بعدُ ( 1 ) ، لا أنَّه عنَى أنه لم يمضِ ممّن هذه صفته أحدٌ . وإنما قلنا أولى التأويلين بالآية ما ذكرنا ، لإجماع الحجّة من أهل التأويل على أنّ ذلك صفةُ من كان بين ظَهرَانْي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم - على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم - من المنافقين ، وأنّ هذه الآيات فيهم نَزَلَتْ . والتأويل المجمع عليه أولى بتأويل القرآن ، من قولٍ لا دلالةَ على صحته من أصل ولا نظير . والإفساد في الأرض ، العمل فيها بما نهى الله جلّ ثناؤه عنه ، وتضييعُ ما أمر الله بحفظه ، فذلك جملة الإفساد ، كما قال جل ثناؤه في كتابه مخبرًا عن قِيلِ ملائكته : ( قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ ) [ سورة البقرة : 30 ] ، يعنون بذلك : أتجعل في الأرض من يَعْصِيكَ ويُخالف أمرك ؟ فكذلك صفة أهل النفاق : مُفسدون في الأرض بمعصِيَتهم فيها ربَّهم ، وركوبهم فيها ما نَهاهم عن ركوبه ، وتضييعِهم فرائضَه ، وشكِّهم في دين الله الذي لا يقبَلُ من أحدٍ عملا إلا بالتَّصديق به والإيقان بحقيقته ( 2 ) ، وكذبِهم المؤمنين بدَعواهم غير ما هم عليه مقيمُون من الشّك والرَيب ، وبمظاهرتهم أهلَ التكذيب بالله وكُتُبه ورسله على أولياء الله ، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلا . فذلك إفساد المنافقين في أرض الله ، وهم

--> ( 1 ) في المطبوعة : " عمن جاء منهم بعدهم " ، وهو محيل للمعنى ، والصواب من المخطوطة . ( 2 ) في المطبوعة : " بحقيقه " ، والصواب من المخطوطة وابن كثير .